ابن أبي الحديد

178

شرح نهج البلاغة

حرمها الله وأثبت بها من قربى قد أبعدها الله ، ما لم يدخل الدين خلل مثله ، ولم ينل الاسلام تبديل يشبهه . ومن ذلك إيثاره لخلافة الله على عباده ابنه يزيد السكير الخمير صاحب الديكة والفهود والقردة ، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعد والإخافة ، والتهديد والرهبة ، وهو يعلم سفهه ، ويطلع على رهقه وخبثه ، ويعاين سكراته وفعلاته ، وفجوره وكفره ، فلما تمكن - قاتله الله - فيما تمكن منه ، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ، فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة الوقعة التي لم يكن في الاسلام أشنع منها ولا أفحش ، فشفى عند نفسه غليله ، وظن أنه قد انتقم من أولياء الله ، وبلغ الثأر لأعداء الله فقال مجاهرا بكفره ، ومظهرا لشركه : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل ( 1 ) قول ( 2 ) من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى رسوله ولا إلى كتابه ، ولا يؤمن بالله وبما جاء من عنده . ثم أغلظ ما انتهك ، وأعظم ما اجترم ، سفكه دم الحسين بن علي عليه السلام ، مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه ومنزلته من الدين والفضل والشهادة له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة ، اجتراء على الله وكفرا بدينه ، وعداوة لرسوله ، ومجاهرة لعترته ، واستهانة لحرمته ، كأنما يقتل منه ومن أهل بيته قوما من كفرة الترك

--> ( 1 ) لعبد الله بن الزبعرى ، من كلمته يوم أحد ، سيرة ابن هشام 3 : 96 وبعده في الطبري : قد قتلنا القوم من ساداتكم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تسل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل لعنت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ( 2 ) الطبري : هذا هو المروق من الدين وقول من لا يرجع . . . " .